مكتبة مفترق الطرق | قصة خيالية قصيرة للكبار
أهلاً بكم قراءنا الأعزاء في هذه المساحة الأدبية. كم مرة تساءلتم بحسرة: “ماذا لو؟” في خضم أزمات منتصف العمر، يطاردنا جميعاً شبح الحيوات التي لم نعشها. اليوم، نضع بين أيديكم قصة خيالية قصيرة للكبار، كُتبت لتلامس هذا الوتر الحساس، وتأخذنا في رحلة روائية ونفسية لاكتشاف ثمن الكمال الزائف.
إليكم الحكاية…
اقرأ أيضًا: قصة خيالية للنوم للكبار
قصة خيالية قصيرة للكبار
كانت مدينة “ساليوم” تغتسل بمطر نوفمبر البارد، وكأن السماء تبكي خطايا سكانها بصمت، في ذلك المساء الكئيب، كان “يوسف” يسير بخطوات متثاقلة، يحتمي بمظلته السوداء من قطرات المطر التي تضرب الأرض بقسوة، يوسف، الذي أتم عامه الثاني والأربعين قبل شهر، كان يحمل على كاهله ثقلاً لا يُرى؛ ثقل السنين التي تسربت من بين أصابعه دون أن يدرك كيف انقضت.
يعمل يوسف مديراً للحسابات في شركة كبرى، يومه عبارة عن متوالية هندسية من الأرقام، الجداول، والاجتماعات العقيمة، زواجه من “مريم” تحول بمرور الوقت إلى شراكة سكنية باردة، خالية من الشغف، يجمعهما فقط سقف واحد وابنهما “عمر” ذو السنوات السبع.
في شبابه، لم يكن يوسف يحلم بالأرقام، كان يمتلك أصابع فنان، وروحاً تتنفس الموسيقى، كان عازف “تشيلو” (Cello) واعداً، وكانت “ليلى”، حبه الأول وملهمته، تجلس دائماً في الصفوف الأولى لتستمع إلى ألحانه، لكن الخوف من المستقبل، وضغوط العائلة، دفعته للتخلي عن القوس والوتر، واختيار “الوظيفة الآمنة”، ترك ليلى لأنها مثلت ذلك العالم الحالم غير المضمون، وتزوج مريم، ابنة العائلة المستقرة.
توقف يوسف أمام واجهة زجاجية لمتجر آلات موسيقية، تطلّع إلى آلة تشيلو خشبية لامعة معروضة في الواجهة، انعكست صورته على الزجاج؛ رجل ببدلة رمادية، ووجه بدأت خطوط التجاعيد ترتسم حول عينيه، وعينان منطفئتان تماماً.
“ماذا لو؟”
همس بها يوسف بمرارة، “ماذا لو لم أترك الموسيقى؟ ماذا لو اخترت ليلى؟ هل كنت لأقف هنا الليلة، أشعر وكأنني شبح يطارد جسده؟”
اشتد المطر فجأة، وتحول إلى عاصفة هوجاء، هرباً من الرياح، انعطف يوسف يميناً ليدخل في زقاق ضيق ومرصوف بالحجارة القديمة، لم يكن يتذكر أنه رأى هذا الزقاق من قبل رغم مرور سنوات طوال على سكنه في هذه المدينة، في نهاية الزقاق، لاح له ضوء خافت ينبعث من مصباح زيتي معلق فوق باب خشبي عتيق من خشب البلوط.
فوق الباب، كُتبت بخط كوفي بارز يكسوه الغبار لافتة نحاسية: “مكتبة مفترق الطرق.. للباحثين عن حيوات لم تُعش”.
دفع يوسف الباب، فصدر عنه صرير طويل ومكتوم، دلف إلى الداخل، ليغمره على الفور عبق الورق العتيق، ورائحة الحبر المعتَّق، ودفء غريب يتناقض مع صقيع الخارج.
كانت المكتبة أوسع بكثير مما تبدو عليه من الخارج، رفوف خشبية شاهقة تمتد إلى سقف يضيع في العتمة، وممرات متعرجة تبدو وكأنها لا تنتهي، لم تكن هناك كتب بالمعنى المفهوم، بل مجلدات جلدية ضخمة، متراصة بعناية فائقة.
“مرحباً بك يا يوسف.”
جاء الصوت عميقاً وهادئاً من خلف مكتب خشبي دائري في وسط القاعة، التفت يوسف ليرى رجلاً طاعناً في السن، يرتدي حلة كلاسيكية من القرن الماضي، يضع نظارة طبية ذات إطار ذهبي على أرنبة أنفه، وعيناه تحملان حكمة ألف عام.
تراجع يوسف خطوة للخلف، وتساءل بارتباك: “كيف تعرف اسمي؟ هل هذا المكان مفتوح للجمهور؟ أريد فقط الاحتماء من المطر لبعض الوقت.”
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة غامضة، ونهض ببطء، مستنداً إلى عصا خشبية رأسها على شكل بومة، “هذا المكان ليس مفتوحاً للجمهور، بل يفتح أبوابه فقط لأولئك الذين بلغ ندمهم حداً يثقل كفة أرواحهم، أنا أمين هذه المكتبة، وما تراه حولك ليس روايات أو كتب تاريخ.”
أشار العجوز بعصاه نحو الرفوف الشاهقة وتابع: “كل مجلد تراه هنا يحمل اسمك، إنها مكتبتك الخاصة، يا يوسف، هنا، نحتفظ بكل ‘ماذا لو’ خطرت ببالك يوماً، كل قرار اتخذته في حياتك، تفرعت عنه حياة أخرى موازية استمرت في الوجود، هنا، تُحفظ تلك الحيوات.”
شعر يوسف بقشعريرة تسري في عموده الفقري، هل هو يحلم؟ هل فقد عقله بسبب الإرهاق؟ اقترب بحذر من أحد الرفوف، وسحب مجلداً رمادياً كُتب على كعبه: “يوسف – قرار الاستقالة، عام 2015”.
فتح المجلد، وبدلاً من الكلمات المطبوعة، رأى صوراً تتحرك كفيلم سينمائي، رأى نفسه يقدم استقالته، يبدأ مشروعاً تجارياً، يفشل ذريعاً، وينتهي به الأمر غارقاً في الديون وحيداً، أغلق المجلد بسرعة، وقد تصبب العرق من جبينه.
“الآن تفهم.” قال أمين المكتبة بهدوء، “بعض القرارات التي تندم عليها، ربما كانت ستقودك إلى الهاوية، ولكن…”
“ولكن ماذا؟” قاطعه يوسف بلهفة.
“هناك حيوات أخرى… حيوات مشرقة، تعال معي.”
قاد العجوز يوسف عبر ممر ضيق، حتى وصلا إلى قسم مضاء بنور ذهبي خافت، على منصة مخملية منفردة، استقر مجلد ذو غلاف جلدي لامع، مكتوب بماء الذهب.
أشار العجوز إلى المجلد: “هذه هي الحياة التي تبكيها كل ليلة، الحياة التي لم تتخلَّ فيها عن آلة التشيلو، ولم تترك فيها يد ‘ليلى’.”
امتدت يد يوسف نحو المجلد الذهبي وهي ترتجف، لمسه برفق، فسرى في جسده تيار من الدفء والنشوة، فتح الصفحة الأولى.
سمع صوت موسيقى تهتز لها الأرواح، رأى نفسه يقف على مسرح دار الأوبرا الملكية، يرتدي حلة التوكسيدو، يعانق التشيلو كأنه جزء من روحه، والجمهور يقف مصفقاً بحرارة، ثم انتقل المشهد إلى قصر فخم يطل على بحيرة هادئة، رأى نفسه يجلس أمام المدفأة، و”ليلى” بجانبه، تبتسم له تلك الابتسامة التي لم تفارق أحلامه قط، تحتسي النبيذ وتستمع لعزفه.
كانت حياة مثالية، حياة خالية من الأرقام، والروتين، والزوجة الباردة، حياة مليئة بالشغف، الفن، والحب الحقيقي.
سقطت دمعة حارة من عين يوسف على صفحات المجلد، التفت إلى أمين المكتبة، وصوته يختنق بالرجاء: “أريد هذه الحياة، هل يمكنني… هل يمكنني الذهاب إلى هناك؟”
نظر العجوز إليه طويلاً، ثم تنهد وقال بصرامة: “يمكنني نقل وعيك بالكامل إلى هذا المجلد، ستستيقظ غداً وأنت ‘يوسف الموسيقار’، ستملك ذكريات تلك الحياة، وستعيشها واقعاً، ولكن، يجب أن تعلم أمرين مهمين: الأول، أن هذه الرحلة في اتجاه واحد، إذا وقعت العقد، فستُغلق أبواب هذه المكتبة ولن تجدها أبداً للعودة، والثاني، أن الكمال خرافة يا يوسف، كل حياة تُدفع ضريبتها، والمجلد الذهبي يريك الانتصارات، ولا يريك الكواليس المظلمة.”
لم يتردد يوسف لحظة واحدة، “لقد عشت في الظلام ما يكفي، أنا مستعد لدفع أي ضريبة مقابل أن أستعيد شغفي وليلى.”
أخرج العجوز ريشة قديمة ومحبرة فيها سائل فضي مشع، قدمهما ليوسف مع ورقة عتيقة، “وقّع هنا.”
بدون قراءة التفاصيل، وقع يوسف اسمه، وما إن رفع الريشة عن الورق، حتى بدأت أرفف المكتبة تدور من حوله كدوامة هائلة، تلاشت رائحة الورق، واختفى وجه العجوز، وتحول كل شيء إلى ضوء أبيض ساطع، مصحوباً بصوت نغمة تشيلو طويلة، عميقة، ومزلزلة.
استيقظ يوسف على ملمس حرير ناعم، فتح عينيه ليجد نفسه في غرفة نوم فسيحة وفاخرة، سقفها مزين بنقوش كلاسيكية، ونوافذها الضخمة تطل على حديقة غنّاء.
جلس على حافة السرير، نظر إلى يديه؛ لم تكونا يدي محاسب خشنة، بل كانتا ناعمتين، بأطراف أصابع تحمل قسوة الأوتار (Calluses) التي تميز العازفين المحترفين، لقد نجح الأمر! لقد أصبح يوسف الموسيقار.
نهض بحماس وبدأ يستكشف المنزل، صور التكريمات، والجوائز العالمية، الأسطوانات الذهبية، كلها تزين الجدران، وفي زاوية الصالون الواسع، استقر معشوقه الأبدي؛ التشيلو الخشبي اللامع.
“يوسف؟ هل استيقظت؟”
جاء الصوت الأنثوي الرقيق من خلفه، التفت ليرى “ليلى”، كانت أجمل مما يتذكرها، ترتدي فستاناً منزلياً أنيقاً، ركض نحوها وعانقها بشدة، متنفساً عطرها الذي افتقده لسنوات.
لكنه لاحظ شيئاً غريباً، جسد ليلى كان متخشباً بين ذراعيه، لم تبادله العناق، بل تراجعت خطوة للوراء، وفي عينيها مسحة من… الخوف المكتوم.
“هل… هل أنت بخير؟” سألته بصوت مرتجف، “أنا آسفة لأنني لم أجهز قهوتك بعد، أعرف أنك تكره التأخير، أرجوك لا تغضب، سأحضرها فوراً.”
عقد يوسف حاجبيه، “أغضب؟ ليلى، حبيبتي، لا بأس، أنا لست غاضباً أبداً.”
نظرت إليه بشك، ثم أسرعت نحو المطبخ كمن يهرب من وحش.
شعر يوسف بانقباض في صدره، بدأ يتجول في المنزل باحثاً عن شيء يفسر هذا الجفاء، دخل إلى ما يبدو أنه مكتبه الخاص، كان ممتلئاً بالنوتات الموسيقية الممزقة، وزجاجات الشراب الفارغة، واللوحات التي حُطمت إطاراتها.
وفجأة، تدفقت ذكريات هذه الحياة الموازية إلى عقله كطوفان مدمر.
هذا الـ “يوسف” لم يكن رجلاً رومانسياً كما تخيل، الشغف بالفن تحول هنا إلى هوس مرضي بالكمال، كان يوسف هذا نرجسياً حد الجنون، يرى نفسه إلهاً للموسيقى والجميع من حوله مجرد خدم لإبداعه، كان يعنف ليلى لفظياً ونفسياً يومياً إذا ما أزعجته أثناء التدريب، وكان يقضي شهوراً مسافراً لا يسأل عنها، ليلى لم تكن تعيش معه حباً، بل كانت محاصرة في سجن من التبعية والخوف، محطمة الروح، فاقدة الثقة بنفسها.
انهار يوسف على الكرسي، “يا إلهي… ماذا فعلت بنفسي؟ ماذا فعلت بها؟”
لكن الصدمة الكبرى لم تكن قد جاءت بعد، نهض يوسف بلهفة، وخرج من المكتب يبحث عن ليلى، وجدها في المطبخ، يديها ترتجفان وهي تصب القهوة.
سألها بصوت متهدج، محاولاً التمسك بأي خيط من حياة طبيعية: “ليلى… أين عمر؟ هل ذهب إلى المدرسة؟”
توقفت يداها، نظرت إليه بحيرة وذعر: “عمر؟ من هو عمر؟”
اتسعت عينا يوسف: “عمر! ابني! الطفل ذو السبع سنوات… أين هو؟”
سقط الفنجان من يد ليلى وتحطم على الأرض، وقالت بصوت باكٍ: “هل تسخر مني يا يوسف؟ أنت من أجبرني على التخلص من الجنين قبل عشر سنوات لأنك قلت إن الأطفال ‘عقبة في طريق العبقرية’، نحن لا نملك أطفالاً!”
كانت هذه هي الثغرة المروعة، المجلد الذهبي أراه الإنجاز والحب، لكنه لم يخبره أن ابنه “عمر” – ذلك الطفل الذي كان يوسف يعتقد في حياته الأولى أنه مجرد جزء من روتينه الممل، الطفل الذي كان ينتظره عند الباب ليعانقه كل مساء – لم يُخلق قط في هذا الواقع، لقد مُحي من الوجود كأنه لم يكن.
خرج يوسف من القصر كالمجنون، لم يأخذ معطفاً، لم يأخذ سيارته الفارهة، ركض في شوارع المدينة الغريبة، يبحث يائساً عن المطر، عن الزقاق القديم، عن الباب الخشبي الذي يحمل لافتة “مكتبة مفترق الطرق”.
ظل يركض لساعات حتى أدميت قدماه، كان يبكي بحرقة لم يعرفها طوال سنواته الاثنتين والأربعين، أدرك الآن أن حياته “الروتينية” السابقة لم تكن جحيماً، كانت حياة رجل شريف، يأكل من عرق جبينه، لم يؤذِ أحداً، والأهم من ذلك، كان أباً لطفل يملأ الدنيا ضحكاً، لقد باع كل هذا الوضوح والنقاء من أجل بريق الفن الزائف، والأنانية المطلقة.
وصل أخيراً إلى الشارع الذي يتذكره، انعطف يميناً حيث يجب أن يكون الزقاق، لكنه اصطدم بحائط إسمنتي أصم، لا يوجد زقاق، لا توجد مكتبة، لا يوجد أمين عجوز ليصحح له هذا الخطأ.
لقد صدق العجوز: “هذه الرحلة في اتجاه واحد”.
انهار يوسف أمام الجدار الإسمنتي البارد، يضرب الأرض بقبضتيه حتى تجرحتا، يصرخ باسم ابنه “عمر”، واسم زوجته “مريم” التي أدرك الآن فقط مقدار الأمان الذي كانت توفره له، لكن صوته ابتلعه ضجيج المدينة العابسة.
بعد مرور أسبوع…
في دار الأوبرا الملكية، كانت القاعة تغص بالآلاف من عشاق الموسيقى المترفين، الأضواء المسلطة تتركز على منتصف المسرح، حيث يجلس الموسيقار العبقري “يوسف”.
رفع القوس، ووضعه على أوتار التشيلو، وعندما بدأ في العزف، انطلقت نغمة لم يسمع العالم أشد منها حزناً ولوعة، كانت الألحان تبكي، تئن، وتنتحب كروح تُعذب في الجحيم.
كان الجمهور مأخوذاً، مذهولاً من هذا الأداء الأسطوري، يمسحون دموعهم إعجاباً وتأثراً، يعتقدون أنها عبقرية فنية لا مثيل لها.
لكن الحقيقة التي لم يعرفها أحد، والتي ستظل مدفونة في قلب يوسف للأبد، هي أنه لم يكن يعزف للجمهور، ولم يكن يعزف لليلى الخائفة التي تجلس في الكواليس.
كان يعزف رثاءً لنفسه، رثاءً لطفل اسمه “عمر” باعه من أجل وهم الكمال، كان يعزف وهو يدرك تماماً أنه سيظل محبوساً في هذا السجن الذهبي، ملكاً متوجاً على عرش من الندم، تتساقط عليه ورود الإعجاب، بينما روحه تحترق في صمت إلى الأبد.
قصص قد تعجبك
قصة خيالية للنوم للكبار
إرسال التعليق