قصة النمر الشجاع حارس وادي الظلال الذهبية

قصة النمر الشجاع

في قلب القارة المنسية، حيث تلتقي الجبال الشاهقة بغابات المطر الكثيفة، يقع “وادي الظلال الذهبية”. لم يكن هذا الوادي مجرد بقعة جغرافية، بل كان موطناً لأقوى الكائنات وأكثرها حكمة. وفي هذا الوادي، بدأت قصة النمر الشجاع التي يتناقلها الصغار والكبار، قصة نمر لم يكن يبحث عن السلطة، بل عن العدالة.

واليوم في موقع قصة لكل جيل سنسافر معكم عبر سطور هذه الملحمة لنتعرف على كيفية مواجهته للصعاب، وكيف أصبح رمزاً للأمل في زمنٍ ساد فيه منطق القوة على قوة المنطق. إليكم الحكاية الكاملة لنمرٍ غيّر مجرى التاريخ في “وادي الظلال الذهبية”.

الفصل الأول من قصة النمر الشجاع

كان “زئير” نمراً مختلفاً عن بقية أقرانه. بجلده المخطط بسواد كالليل وذهبي كأشعة الشمس عند الغروب، وعينيه الزمرديتين اللتين تشعان بذكاء حاد، كان يمتلك قوة جسدية هائلة، لكن قلبه كان يحمل ما هو أندر: “الرحمة”.

في صباح يومٍ غائم، لم تكن الطيور تغرد كعادتها. كان الصمت يلف الغابة بطريقة مريبة، وهو صمت لا يفهمه إلا من عاش في أحضان الطبيعة طويلاً. وقف زئير فوق صخرة “الرؤية” المرتفعة، يراقب الأفق. استنشق الهواء بعمق، فلم يجد رائحة المطر أو الزهور البرية، بل شمّ رائحة غريبة.. رائحة معدنية جافة تشبه رائحة “الدخان الفضي”.

همس زئير لنفسه قائلاً: “هناك خطب ما في الشمال.”

بينما كان غارقاً في تفكيره، قفز “بندق”، السنجاب السريع والذكي الذي يعتبره زئير عينه التي لا تنام في الغابة. كان بندق يلهث بشدة، وعيناه الصغيرتان مليئتان بالخوف.

صرخ بندق وهو يحاول التقاط أنفاسه: “زئير! أيها النمر الشجاع، عليك أن تأتي بسرعة! النهر العظيم.. النهر الذي يروي الوادي، لقد بدأ يتراجع! والمياه التي بقيت أصبحت بلون الرماد!”

انقبض قلب زئير. النهر العظيم هو شريان الحياة الوحيد في وادي الظلال الذهبية. إذا جف النهر، فهذا يعني نهاية الغابة وكل من يسكنها.

قال زئير بصوته الرخيم الذي يبعث الطمأنينة: “اهدأ يا بندق. من فعل هذا؟ وهل رأيت أحداً عند المنبع؟”

رد بندق وهو يرتجف: “لم أرَ أحداً، لكنني سمعت أصواتاً معدنية ضخمة تأتي من خلف (جبل الضباب). أصوات لم تسمعها الغابة من قبل، كأن الأرض تُجرح بآلات من حديد.”

لم يتردد زئير. كان يعلم أن دوره كحامٍ للغابة قد بدأ الآن. قصة النمر الشجاع ليست مجرد لقب، بل هي مسؤولية ثقيلة. انطلق زئير بسرعة البرق، يقفز فوق الجذوع الساقطة ويتسلق المنحدرات الوعرة، متجهاً نحو منبع النهر الغامض.

بينما كان يشق طريقه، لاحظ أن الحيوانات الأخرى بدأت بالهروب في الاتجاه المعاكس. الغزلان، الأرانب، وحتى الذئاب كانت تركض بذعر. وفجأة، اعترض طريقه “أرجون”، الأسد العجوز وحكيم الغابة.

سأل أرجون بصوت متهدج: “إلى أين أنت ذاهب يا بني؟ الخطر هناك أكبر من مخالبك وأنيابك. إنهم (محطمو الطبيعة).. بشر بآلات لا تشبع.”

نظر زئير إلى الأسد العجوز بثبات وقال: “إذا هربنا جميعاً، فمن سيبقى لحماية الوادي؟ الشجاعة ليست في غياب الخوف يا أرجون، بل في مواجهته من أجل من نحب. سأذهب لأرى بنفسي، ولن يعود النهر كدراً ما دام في عروقي دم ينبض.”

ترك زئير الأسد العجوز مذهولاً من قوة عزيمته، وتابع ركضه. ومع اقترابه من جبل الضباب، بدأت الرؤية تتلاشى بسبب دخان أسود كثيف، وظهرت أمامه أولى بوادر المواجهة..

الفصل الثاني من قصة النمر الشجاع

عندما تجاوز “زئير” قمة جبل الضباب، لم يكن مستعداً للمشهد الذي صفع عينيه. الغابة التي كانت يوماً خضراء ومتشابكة في هذا الجانب، تحولت إلى أرض جرداء قاحلة. الأشجار الضخمة التي عاشت لمئات السنين كانت ملقاة على الأرض كأنها أعواد ثقاب مكسورة، والتربة كانت مقلوبة رأساً على عقب.

تسلل زئير بحذر شديد بين الشجيرات المتبقية، مخفياً جسده الضخم ببراعة الصياد المحترف. ومن مخبئه، رأى “الوحوش”. لم تكن وحوشاً من لحم ودم، بل كانت آلات ضخمة صفراء اللون، لها أذرع طويلة تنتهي بمخالب حديدية تحفر في الأرض بلا رحمة، وتصدر ضجيجاً يصم الآذان ويطغى على صوت الرياح.

همس زئير لنفسه وهو يراقبه المشهد برعب: “هذه ليست كائنات حية.. إنها بلا روح، تأكل الأرض ولا تشبع.”

في وسط هذا الدمار، رأى زئير سبب تغير لون النهر. كانت الآلات تقوم بغسل كميات هائلة من التربة والصخور داخل مجرى النهر بحثاً عن شيء ما، مما حول المياه الصافية إلى وحل رمادي كثيف يخنق الأسماك ويسد مجرى الحياة.

فجأة، هبط طائر جارح من السماء وحط على غصن قريب من رأس زئير. كان “سهم”، الصقر الذهبي الذي يرى كل شيء من الأعالي.

قال سهم بصوت حاد وسريع: “لقد وصلوا منذ يومين يا زئير. هؤلاء البشر يبحثون عن (الذهب). إنهم لا يهتمون بالنهر ولا بالغابة، كل ما يريدونه هو الحجارة اللامعة.”

نظر زئير إلى الصقر بغضب مكتوم وقال: “يقتلون النهر من أجل حجارة؟ هل جنوا؟ إذا مات النهر، سنموت جميعاً، وهم أيضاً سيهلكون عطشاً.”

رد سهم بحزن: “البشر لا ينظرون بعيداً مثلنا يا صديقي. إنهم ينظرون فقط لما تحت أقدامهم. انظر هناك.. عند السد الخشبي الذي بنوه.”

وجه زئير نظره حيث أشار الصقر. كان هناك سد صناعي ضخم بناه الرجال ليحجزوا المياه، وكان خلف السد “دب صغير” عالق بين الأخشاب، يصارع التيار والوحل، بينما الرجال منشغلون بآلاتهم ولا ينتبهون لصرخات استغاثته المكتومة بصوت المحركات.

شعر زئير بدماء الغضب تغلي في عروقه. قصة النمر الشجاع لا يمكن أن تنتهي بمشاهدة الظلم بصمت. لكنه كان يعلم أن الهجوم المباشر على عشرات الرجال وآلاتهم الضخمة هو انتحار.

قال زئير وهو يرسم خطة في ذهنه: “سهم، أحتاج إليك. لا أستطيع محاربة الآلات بمفردي، لكن يمكننا أن نجعل الغابة تحارب معنا. هل ترى ذلك البرميل الكبير المعلق فوق التلة؟ الذي يقطر سائلاً أسود؟”

أجاب سهم بسرعة البديهة: “نعم، إنه وقود وحوشهم. إذا انسكب، ستتوقف حركتهم.”

قال زئير وعيناه تلمعان بتصميم: “اسمعني جيداً. سأقوم بإحداث جلبة لأشتت انتباههم وأنقذ الدب الصغير. وفي تلك اللحظة، أريدك أن تسقط عش الدبابير الحمراء الموجود فوق شجرة البلوط العجوز.. مباشرة على سائق تلك الجرافة القريبة من البرميل.”

رفرف سهم بجناحيه وقال بحماس: “خطة مجنونة.. وتليق بالنمر الشجاع. سأكون إشارتك من السماء.”

انطلق الصقر محلقاً، بينما بدأ زئير بالزحف ببطء نحو السد. كانت عضلاته مشدودة كالوتر، وكل حواсе مستيقظة. كان يعلم أن الخطوة القادمة قد تكون الأخيرة، لكن حياة الدب الصغير وسلامة النهر كانت تستحق المخاطرة.

أخذ زئير نفساً عميقاً، وأطلق زئيراً مدوياً، زئيراً لم تسمعه تلك المنطقة منذ قرون، زئيراً جعل الآلات تبدو وكأنها ألعاب صامتة أمام هيبة الطبيعة.

صرخ أحد الرجال وهو يشير بذعر: “نمر! هناك نمر ضخم!”

وفي تلك اللحظة الحاسمة، بدأت المعركة من أجل وادي الظلال الذهبية.

اقرأ أيضًا: لغز المدينة البخارية | قصة مشوقة للاطفال

الفصل الثالث من قصة النمر الشجاع

تردد صدى زئير “زئير” المدوّي بين الجبال، كأنه رعد هبط من السماء الصافية. تجمد العمال في أماكنهم، وتوقفت بعض الأحاديث الجانبية، بينما بقيت الآلات تعمل بضجيجها الرتيب، غير مبالية بملك الغابة الذي أعلن وجوده.

صاح قائد العمال، وهو رجل ضخم يرتدي خوذة حمراء، وهو يلوح بيديه: “لا تتوقفوا! إنه مجرد حيوان بري تائه، أخيفوه بالمشاعل!”

لكن “زئير” لم يكن ينتظر رد فعلهم. في تلك اللحظة من الارتباك، انقض النمر الشجاع من مخبئه ليس نحو الرجال، بل نحو السد الخشبي حيث كان الدب الصغير يصارع الموت. كان جسمه الذهبي والأسود يتحرك بانسيابية وقوة، شاقاً طريقاً وسط الوحل.

في الأعلى، كان “سهم” يراقب اللحظة المناسبة. طوى الصقر جناحيه وهوى بسرعة لا تصدق نحو شجرة البلوط العجوز. وبمخالبه الحادة، قطع الغصن الذي يحمل عش الدبابير الحمراء الضخم.

صرخ سهم بصوت سمعه زئير وحده: “هدية من السماء!”

سقط العش بدقة متناهية داخل مقصورة الجرافة القريبة من برميل الوقود. وفي ثوانٍ معدودة، تحول هدوء السائق إلى رقصة هستيرية من الذعر. هاجمت الدبابير الغاضبة كل ما يتحرك، مما أفقد السائق السيطرة.

صرخ السائق وهو يضرب الهواء بيديه: “النجدة! إنها في كل مكان!”

دارت الجرافة العملاقة حول نفسها بشكل جنوني، واصطدم ذراعها الفولاذي بقوة ببرميل الوقود المعلق. “بوم!”.. سقط البرميل وتدفق السائل الأسود على الأرض، مغرقاً المحركات القريبة ومعطلاً حركتها. تصاعد دخان كثيف، وبدأ العمال يركضون في كل اتجاه هرباً من الدبابير والدخان.

استغل زئير هذه الفوضى العارمة. وصل إلى الدب الصغير الذي كان يرتجف من البرد والخوف.

همس زئير للدب الصغير بحزم ولطف: “تمسك بظهري جيداً ولا تترك فرائي مهما حدث.”

ضرب زئير الأخشاب المحيطة بالدب بضربة واحدة من مخلبه القوي، محطماً القيد. قفز الدب الصغير وتشبث بظهر النمر. وبقفزات واسعة ورشيقة، عاد زئير أدراجه نحو كثافة الغابة، تاركاً خلفه معسكراً يسوده الهرج والمرج.

عندما وصلوا إلى منطقة آمنة تحت ظلال أشجار الصنوبر العالية، أنزل زئير الدب الصغير الذي ارتمى على الأرض يلهث بتعب.

قال الدب الصغير بصوت خافت وعينين دامعتين: “ظننت أنني سأنتهي هناك.. شكراً لك أيها النمر.”

رد زئير وهو ينظف الوحل عن قوائمه: “لا تشكرني وحدي. انظر إلى السماء.”

حط “سهم” على غصن قريب، وهو ينفض بعض الغبار عن ريشه بفخر.

قال سهم ضاحكاً: “لقد كانت فوضى رائعة! لم أرَ بشراً يركضون بهذه السرعة من قبل.”

لكن ملامح زئير لم تكن ضاحكة. نظر إلى الدخان الذي لا يزال يتصاعد من خلف الجبل، وعيناه الزمرديتان تلمعان بتفكير عميق.

قال زئير بجدية: “لقد كسبنا معركة اليوم، وأنقذنا روحاً بريئة، وهذا جزء مهم من قصة النمر الشجاع. لكنهم سيعودون، وسيكونون أكثر غضباً وحذراً في المرة القادمة. لقد أوقفنا آلاتهم مؤقتاً، لكننا لم نوقف طمعهم.”

سأل الدب الصغير ببراءة: “ماذا سنفعل إذن؟ هل ستحاربهم مرة أخرى؟”

نظر زئير إلى عمق الغابة، حيث بدأت الحيوانات الأخرى تخرج من مخابئها، تستمد الشجاعة من عودة بطلها.

أجاب زئير بثقة: “لن أحاربهم وحدي. الغابة كلها ستحارب. لقد أيقظنا اليوم شيئاً أقوى من الخوف في قلوب الجميع.. لقد أيقظنا الأمل. ولكن لطردهم نهائياً، نحتاج إلى ما هو أكثر من الدبابير والمخالب.. نحتاج إلى كشف سرهم.”

تساءل سهم باهتمام: “سرهم؟ ماذا تقصد؟”

قال زئير: “رأيت أوراقاً وخرائط في خيمة القائد قبل أن أهاجم. هناك شيء آخر يبحثون عنه غير الذهب.. شيء يقع في (كهف الأجداد). وعلينا أن نصل إليه قبلهم.”

الفصل الرابع من قصة النمر الشجاع

لم يكن الطريق إلى “كهف الأجداد” هيناً. كان يقع في الجانب المظلم من الجبل، وهي منطقة لا تدخلها أشعة الشمس إلا نادراً، وتكثر فيها المنحدرات الزلقة والصخور الحادة. تحرك “زئير” بحذر شديد، وعيناه تفحصان كل ظل وكل حركة، بينما كان “سهم” يحلق على ارتفاع منخفض ليكون عيونهم في السماء.

قال زئير بصوت منخفض للدب الصغير الذي كان يسير خلفه بتعثر: “احذر أين تضع قدميك يا صغيري. هذه الأرض قديمة، وهي لا ترحب بالغرباء بسهولة.”

سأل الدب الصغير بفضول ممزوج بالخوف: “لماذا سمي بكهف الأجداد يا زئير؟ هل تعيش فيه أشباح النمور القديمة؟”

ابتسم زئير نصف ابتسامة وقال: “ليس أشباحاً، بل ذكريات. الأجداد لم يتركوا لنا عظاماً، بل تركوا لنا حكمة محفورة على الصخور، تحكي قصة النمر الشجاع الأول الذي اكتشف سر هذا الوادي. البشر يبحثون عن كنز مادي، لكن الكهف يحوي ما هو أغلى.”

بعد ساعة من التسلق الشاق، وصلوا إلى مدخل الكهف. لم يكن مدخلاً عادياً؛ كان مسدوداً بصخرة دائرية ضخمة نُحتت عليها رموز غريبة وعيون حيوانات تبدو وكأنها تحدق في القادمين.

حط “سهم” على كتف زئير وقال بإحباط: “طريق مسدود! هذه الصخرة أثقل من عشرة فيلة. كيف سنحركها؟ هل نعود أدراجنا؟”

اقترب زئير من الصخرة، وتشمم الرموز المنحوتة. كانت رائحة القدم تفوح منها.

قال زئير وهو يتأمل الرموز: “القوة لا تحل كل شيء يا سهم. انظر إلى هذه الرموز.. إنها تمثل عناصر الطبيعة: الريح، الماء، الأرض، والنار. وهناك نقش صغير في المنتصف يقول: (صوت الغابة هو مفتاح القلب).”

سأل الدب الصغير: “ماذا يعني صوت الغابة؟ هل يجب أن نغني؟”

فكر زئير للحظة، ثم تذكر الحكايات التي كان يقصها عليه “أرجون”.

قال زئير بثقة: “لا.. إنه ليس غناءً. إنه التناغم. الصخرة تحتاج لتردد صوتي معين لا يصدره كائن واحد، بل الغابة مجتمعة. سهم، أطلق صرختك الحادة.. وأنت أيها الصغير، اضرب الأرض بقدميك بقوة.. وأنا سأزأر.”

نظر الثلاثة لبعضهم، وعند إشارة زئير، انطلق الصوت الثلاثي في وقت واحد: صرخة الصقر الحادة، ضربات الدب الثقيلة، وزئير النمر العميق. اهتزت الأرض، وبدأت الرموز على الصخرة تشع بضوء أزرق خافت، ثم تحركت الصخرة ببطء شديد مصدرة صوتاً هادراً، كاشفة عن ممر مظلم.

صاح سهم بدهشة: “لقد نجحت! أنت حقاً داهية يا زئير!”

دخل الثلاثة إلى الكهف. كانت الجدران مغطاة ببلورات مضيئة تنير الطريق بضوء خافت. وفي نهاية الممر، وجدوا قاعة واسعة، وفي وسطها بحيرة صغيرة مياهها شديدة الصفاء، يطفو في منتصفها حجر كريستالي ضخم ينبض بضوء ذهبي دافئ.

وقف زئير مذهولاً أمام المشهد وقال: “هذا هو.. (قلب الجبل). الحجر الذي ينقي مياه النهر العظيم ويعطي الوادي خصوبته. إذا أخذه البشر..”

أكمل سهم الجملة برعب: “.. سيموت الوادي. ستصبح المياه مسمومة، وستموت الأشجار، وتختفي الحيوانات. إنهم لا يريدون الذهب، يريدون مصدر الطاقة هذا!”

فجأة، سمعوا صوت خطوات ثقيلة وأصوات بشرية تقترب من مدخل الكهف. لقد وجد “محطمو الطبيعة” الطريق.

همس زئير وعيناه تلمعان بتحدٍ جديد: “لقد وصلوا أسرع مما توقعت. ليس لدينا وقت للهرب. علينا حماية القلب بأي ثمن. يا سهم، هل تتذكر الممر الجانبي الضيق الذي مررنا به؟ خذ الدب الصغير واختبئا هناك.”

سأل الدب الصغير بخوف: “وأنت؟”

برزت مخالب زئير واستعد للقتال، وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل قوة العاصفة: “أنا سأشتري لكم الوقت. قصة النمر الشجاع لن تنتهي بالهروب اليوم. هذا الكهف هو بيتي، وأنا لا أسمح للغرباء بسرقة قلبه.”

وقف زئير في منتصف القاعة، حاجزاً بين الكنز وبين المدخل، مستعداً لمواجهة الظلال التي بدأت تظهر عند باب الكهف.

الفصل الخامس من قصة النمر الشجاع

دخلت مجموعة من الرجال إلى القاعة الواسعة، تسبقهم أضواء كشافاتهم القوية التي اخترقت سكون الكهف القديم. كانوا يرتدون ملابس واقية رمادية، ويحملون أدوات غريبة وشباكاً معدنية. تقدمهم رجل ذو ملامح قاسية، يرتدي معطفاً طويلاً، وبدا أنه القائد “فولاذ”.

توقف “فولاذ” فجأة عندما وقعت عيناه على “قلب الجبل” المتوهج في وسط البحيرة. اتسعت عيناه طمعاً، وانعكس البريق الذهبي على وجهه.

صاح فولاذ بصوت أجش: “ها هو! كما قالت الأساطير تماماً. مصدر طاقة لا ينضب. انسوا الذهب، هذا الحجر سيجعلنا ملوك العالم! أحضروه حالاً!”

تحرك الرجال نحو البحيرة، لكنهم توقفوا فجأة عندما برز ظل ضخم من خلف الصخور. وقف “زئير” أمام الجسر الحجري الوحيد المؤدي للكريستالة، كاشفاً عن أنيابه، وهادراً بزمجرة اهتزت لها جدران الكهف.

صرخ أحد الرجال بخوف وهو يتراجع: “إنه النمر! نفس النمر الذي دمر المعسكر!”

ضحك فولاذ بسخرية وقال: “إنه مجرد حيوان. لا تدعوه يوقفكم. استخدموا الشباك المخدرة، أريده حياً ليكون تذكاراً لانتصاري.”

بدأت المعركة غير المتكافئة. انطلق الرجال يطلقون شباكهم الثقيلة نحو زئير. لكن النمر الشجاع لم يكن هدفاً سهلاً. استخدم زئير معرفته بطبيعة الكهف، فكان يقفز بين الصخور والظلال بسرعة تجعل من المستحيل تحديد مكانه.

في مخبئهم الصغير، كان “سهم” و”الدب الصغير” يراقبان المشهد بقلوب تخفق بشدة.

همس الدب الصغير والدموع في عينيه: “إنهم كثر يا سهم.. سيؤذونه.”

قال سهم بحزم وهو يرى شجاعة صديقه: “لا يمكننا البقاء هنا ومشاهدته يقاتل وحيداً. قصة النمر الشجاع تعلمنا أن الشجاعة معدية. اسمع يا صغيري، هل ترى تلك الحجارة الصغيرة المتراكمة فوق مدخل القاعة؟”

هز الدب الصغير رأسه.

أكمل سهم: “أنت قوي، أريدك أن تدفعها بكل قوتك عندما أعطيك الإشارة. أما أنا، فلدي حساب قديم لأصفيه مع قائد هؤلاء الأشرار.”

في أرض المعركة، كان زئير قد بدأ يتعب. نجحت إحدى الشباك في الالتفاف حول ساقه الخلفية، مما أبطأ حركته. اقترب فولاذ منه وفي يده عصا كهربائية تصدر شرراً مخيفاً.

قال فولاذ بشماتة: “نهاية مؤسفة لملك الغابة. والآن، تنحَ جانباً.”

في تلك اللحظة الحاسمة، انقض سهم من السقف كالقذيفة، مستهدفاً يد فولاذ. صرخ القائد من الألم وأسقط العصا الكهربائية التي تدحرجت وسقطت في مياه البحيرة.

وبالتزامن، دفع الدب الصغير كومة الحجارة من الأعلى، فسقطت محدثة دوياً هائلاً وغباراً كثيفاً أربك الرجال وأعاق رؤيتهم.

استغل زئير الفرصة، ومزق الشبكة بمخالبه القوية، ثم زأر زئيرة هي الأقوى في حياته، زئيرة لم تكن موجهة للبشر، بل لـ “قلب الجبل”.

استجاب الحجر السحري. بدأ “قلب الجبل” يرسل نبضات ضوئية قوية ومتسارعة. تلامست طاقة الحجر مع الماء المكهرب بسبب عصا القائد، مما أدى إلى انطلاق موجة صدمة مبهرة.

صاح الرجال وهم يغطون عيونهم: “أعيننا! الضوء ساطع جداً!”

تسبب الضوء الباهر والصوت المرتفع الذي أصدره الحجر – وهو تردد لا تتحمله سوى كائنات الغابة النقية – في حالة من الذعر المطلق بين البشر. تعطلت أجهزتهم الإلكترونية، وانطفأت كشافاتهم، ليجدوا أنفسهم في ظلام دامس مع نمر غاضب وأصوات صخور تتساقط.

صرخ فولاذ وهو يهرول نحو المخرج: “تراجعوا! هذا الكهف ملعون! اخرجوا من هنا فوراً!”

ركض الرجال يتعثرون في بعضهم البعض، تاركين وراءهم أسلحتهم ومعداتهم، هاربين من غضب الوادي وحارسه.

عندما عاد الهدوء، وخفت ضوء الكريستالة ليعود لنبضه الدافئ المعتاد، جلس زئير يلعق جرحاً سطحياً في كتفه. خرج الدب الصغير وسهم من مخبئهما.

قال سهم وهو يهبط بجوار زئير: “لقد فعلناها! لقد هربوا كالفئران.”

ابتسم زئير بتعب وقال: “لقد حاربتم ببسالة. اليوم، لم يكن النمر هو الشجاع الوحيد في الوادي.”

اقترب الدب الصغير من “قلب الجبل” ونظر إليه بإعجاب، ثم قال: “هل انتهى الأمر يا زئير؟ هل نحن في أمان الآن؟”

نظر زئير إلى مدخل الكهف الذي سده انهيار الصخور جزئياً بعد هروب البشر، وقال بحكمة: “لقد حمينا القلب، لكن السر قد انكشف. البشر عرفوا مكاننا. ولكن…”

صمت زئير قليلاً ثم أكمل بثقة: “.. ولكنهم عرفوا أيضاً أن لهذا الوادي حراساً لا ينامون. لقد ولدت اليوم أسطورة جديدة، قصة النمر الشجاع ورفاقه الأوفياء، وهي قصة ستجعل أي معتدٍ يفكر ألف مرة قبل أن يخطو داخل وادي الظلال الذهبية.”

اقرأ: قصة الملك الشجاع والتنين الأسود زافيرون

وهكذا، عاد الهدوء إلى الوادي، واستمر النهر العظيم في الجريان بمياه صافية، يروي حكايات البطولة للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *